القاضي عبد الجبار الهمذاني
69
تثبيت دلائل النبوة
فإن قيل : أو ليس قد ذكر ان في شعر الشراء الأولين ذكرا لانقضاض الكواكب ، وفي كتب العجم ذكر لذلك . قيل له : إن ابا علي وابنه ابا هاشم « 1 » وأصحابهما قالوا : ما ننكر ان يكون قد كان قبل مبعث النبي شيء من انقضاض الكواكب ، ولكنا قد علمنا بالدليل الذي قدمنا انه قد حدث عند مبعث النبي شيء انتقضت به العادة ، وامتلأت السماء به ، فتلك الزيادة على الامر المعتاد هي الحجة ؛ فصار ذلك بمنزلة الطوفان ، فإن الماء قد كان قبل نوح عليه السلام يزيد زيادات كثيرة معروفة معتادة ، فلما جاء نوح صلى اللّه عليه زاد / الماء زيادة انتقضت به العادة وخرج عن الأمر المعتاد ، فكانت تلك الزيادة هي الآية وهي الحجة . فليس في شعر الشعراء ولا فيما وجد في كتب القدماء مطعن في هذه الدلالة ، ولا تكذيب لهذا الخبر ، وهذا جواب سديد شاف كاف ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم انما احتج بامتلاء السماء بالشهب لا بالأمر المعتاد ، هذا لا يفعله عاقل ولا يقع منه كائنا من كان ، فكيف بمن يدعى الصدق والنبوة ويريد من الناس كلهم تصديقه واتباعه ، فلا يجوز ان يحتج عليهم بأمر قد عرفوه قبل ان يخلق ويخلق آباؤه فيقول : هذا من آياتي ومن اجلي حدث وبسبب تصديقي خلق ، فيكون بمنزلة من قال : من الدلالة على نبوتي ان الشمس ما كانت تطلع عليكم وانها الآن قد صارت تطلع . فأما أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ رحمه اللّه ، فإنه يذكر في كتاب « الحيوان » انقضاض الكواكب ، وذكر ما فيه من الآية والحجة في النبوة ،
--> ( 1 ) أبو هاشم الجبائي هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي « 247 - 321 ه » من كبار رجال المعتزلة له طائفة تنتسب إليه تسمى بالبهشمية ، ويعتبر القاضي عبد الجبار من تلاميذه ورجال مدرسته . وفيات الأعيان 1 : 292 وتاريخ بغداد 11 : 55 .